ابن حزم
283
رسائل ابن حزم الأندلسي
صلّى اللّه عليه وسلم ، وعزّ باعثه وجل ، إذ قضى أنّ شهادة الزور من الكبائر ، فمن لم يردعه قبح الخروج عن المعقول فليردعه خوف النكال الشديد يوم الجزاء ، نعوذ بالله من ذلك . ولو أن حالفا حلف على القاتل أنه قال للمقتول « أف » لكانت يمينه غموسا ، فكيف استجاز من يصف نفسه بالفهم أن يقتضي قضاء يقر به « 1 » على نفسه أنه كاذب إذا حقق الحكم ؟ ولعمري إن كثيرا منهم لأفاضل فهماء أخيار صالحون معظمون باستحقاقهم ، ولكن النقص لم يعر منه بشر إلا المعصومين بالقوى الإلهية من الأنبياء عليهم السلام [ 69 ظ ] خاصة ، وزلة العالم مؤذية جدا ولو لم تعده إلى غيره لقلّ ضررها ، لكن لما قال اللّه عزّ وجل وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً اقتضت هذه اللفظة إتيان كلّ ما يسمّى إحسانا ، ودفع كلّ ما يسمّى إساءة ، لأن الإساءة ضدّ الإحسان ، والإحسان واجب فالإساءة ممنوعة ، لأن قولك : أحسن إلى فلان يقوم مقام قولك « 2 » لا تسىء إليه ، وذلك معنى مقتضاه فقط « 3 » وزائد معنى هو أيضا شيء هو غير ترك الإساءة فقط « 4 » . وأما قولك : لا تسىء إليه « 5 » ، فليس فيه الإحسان إليه ، وكذلك إذا قلت : لا تحسن إليه ، فليس فيه أن تسيء إليه أصلا ، لأن هذا من الأضداد التي بينها وسائط ، والوسيطة « 6 » هاهنا التي « 7 » بين الإساءة والإحسان : المتاركة . وأما إذا قلت أسىء إلى فلان ففيه رفع الإحسان عنه « 8 » لأن الضدّ يدفع الضد ، إذا وقع أحدهما بطل الآخر . فتدبر هذه المعاني تستضيء في جميع مطلوباتك بالنور الذي منحك خالقك تعالى وقرّب به شبهك من الملائكة وأبانك عن البهائم ، وإلّا كنت كخابط عشواء حيران لا تدري ما تقدم عليه بالحقيقة ولا ما تترك باليقين ، لكن بالجسر « 9 » والهجم اللذين لعلهما يوردانك « 10 » المتالف ويقذفانك في المهالك ، هدانا اللّه وإياك
--> ( 1 ) م : فيه . ( 2 ) م : ملائم لقولك . ( 3 ) وذلك . . . فقط : لم يرد في م . ( 4 ) وزائد . . . فقط : سقط من س . ( 5 ) م : إلى فلان . ( 6 ) م : والوسيلة . ( 7 ) س : هي التي . ( 8 ) م : إليه . ( 9 ) س : بالحس . ( 10 ) م : يردان بك .